سورة مريم - تفسير تفسير الرازي

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
تفسير السورة  
الصفحة الرئيسية > القرآن الكريم > تفسير السورة   (مريم)


        


{يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآَتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (12) وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا (13) وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا (14) وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا (15)}
اعلم أنه تعالى وصف {يحيى} في هذه الآية بصفات تسع: الصفة الأولى: كونه مخاطباً من الله تعالى بقوله: {يايحيى خُذِ الكتاب بِقُوَّةٍ} وفيه مسائل:
المسألة الأولى: أن قوله: {يايحيى خُذِ الكتاب} يدل على أن الله تعالى بلغ بيحيى المبلغ الذي يجوز أن يخاطبه بذلك فحذف ذكره لدلالة الكلام عليه.
المسألة الثانية: الكتاب المذكور يحتمل أن يكون هو التوراة التي هي نعمة الله على بني إسرائيل لقوله تعالى: {وَلَقَدْ ءاتَيْنَا بَنِى إسراءيل الكتاب والحكم والنبوة} [الجاثية: 16] ويحتمل أن يكون كتاباً خص الله به يحيى كما خص الله تعالى الكثير من الأنبياء بذلك والأول أولى لأن حمل الكلام هاهنا على المعهود السابق أولى ولا معهود هاهنا إلا التوراة.
المسألة الثالثة: قوله: {بِقُوَّةٍ} ليس المراد منه القدرة على الأخذ لأن ذلك معلوم لكل أحد فيجب حمله على معنى يفيد المدح وهو الجد والصبر على القيام بأمر النبوة وحاصلها يرجع إلى حصول ملكة تقتضي سهولة الإقدام على المأمور به والإحجام عن المنهي عنه. الصفة الثانية: قوله تعالى: {وَآتَيْنَاهُ الحكم صَبِيّاً} اعلم أن في الحكم أقوالاً.
الأول: أنه الحكمة ومنه قول الشاعر:
واحكم كحكم فتاة الحي إذ نظرت *** إلى حمام سراع وارد الثمد
وهو الفهم في التوراة والفقه في الدين.
والثاني: وهو قول معمر أنه العقل روي أنه قال ما للعب خلقنا.
والثالث: أنه النبوة فإن الله تعالى أحكم عقله في صباه وأوحى إليه وذلك لأن الله تعالى بعث يحيى وعيسى عليهما السلام وهما صبيان لا كما بعث موسى ومحمداً عليهما السلام، وقد بلغا الأشد والأقرب حمله على النبوة لوجهين:
الأول: أن الله تعالى ذكر في هذه الآية صفات شرفه ومنقبته ومعلوم أن النبوة أشرف صفات الإنسان فذكرها في معرض المدح أولى من ذكر غيرها فوجب أن تكون نبوته مذكورة في هذه الآية ولا لفظ يصلح للدلالة على النبوة إلا هذه اللفظة فوجب حملها عليها.
الثاني: أن الحكم هو ما يصلح لأن يحكم به على غيره ولغيره على الإطلاق وذلك لا يكون إلا بالنبوة فإن قيل كيف يعقل حصول العقل والفطنة والنبوة حال الصبا؟ قلنا: هذا السائل، إما أن يمنع من خرق العادة أو لا يمنع منه، فإن منع منه فقد سد باب النبوات لأن بناء الأمر فيها على المعجزات ولا معنى لها إلا خرق العادات، وإن لم يمنع فقد زال هذا الاستبعاد فإنه ليس استبعاد صيرورة الصبي عاقلاً أشد من استبعاد انشقاق القمر وانفلاق البحر. الصفة الثالثة؛ قوله تعالى: {وَحَنَانًا مّن لَّدُنَّا} اعلم أن الحنان أصله من الحنين وهو الارتياح والجزع للفراق كما يقال: حنين الناقة وهو صوتها إذا اشتاقت إلى ولدها ذكر الخليل ذلك في الحديث:
أنه عليه السلام كان يصلي إلى جذع من المسجد فلما اتخذ له المنبر وتحول إليه حنت تلك الخشبة حتى سمع حنينها فهذا هو الأصل ثم قيل: تحنن فلان على فلان إذا تعطف عليه ورحمه، وقد اختلف الناس في وصف الله بالحنان فأجازه بعضهم، وجعله بمعنى الرؤوف الرحيم، ومنهم من أباه لما يرجع إليه أصل الكلمة قالوا: لم يصح الخبر بهذه اللفظة في أسماء الله تعالى، إذا عرفت هذا فنقول: الحنان هنا فيه وجهان. أحدهما: أن يجعل صفة لله.
وثانيهما: أن يجعل صفة ليحيى أما إذا جعلناه صفة لله تعالى فنقول: التقدير وآتيناه الحكم حناناً أي رحمة منا، ثم هاهنا احتمالات: الأول: أن يكون الحنان من الله ليحيى، المعنى: آتيناه الحكم صبياً، ثم قال: {وَحَنَانًا مّن لَّدُنَّا} أي إنما آتيناه الحكم صبياً حناناً من لدنا عليه أي رحمة عليه وزكاة أي وتزكية له وتشريفاً له.
الثاني: أن يكون الحنان من الله تعالى لزكريا عليه السلام فكأنه تعالى قال: إنما استجبنا لزكريا دعوته بأن أعطيناه ولداً ثم آتيناه الحكم صبياً وحناناً من لدنا عليه أي على زكريا فعلنا ذلك. {وزكواة} أي وتزكية له عن أن يصير مردود الدعاء.
والثالث: أن يكون الحنان من الله تعالى لأمة يحيى عليه السلام كأنه تعالى قال: {وَاتَيْنَاهُ الحكم صَبِيّاً * وَحَنَانًا} منا على أمته لعظيم انتفاعهم بهدايته وإرشاده، أما إذا جعلناه صفة ليحيى عليه السلام ففيه وجوه:
الأول: آتيناه الحكم والحنان على عبادنا أي التعطف عليهم وحسن النظر على كافتهم فيما أوليه من الحكم عليهم كما وصف نبيه فقال: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مّنَ الله لِنتَ لَهُمْ} [آل عمران: 159] وقال: {حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بالمؤمنين رَءوفٌ رَّحِيمٌ} [التوبة: 128] ثم أخبر تعالى أنه آتاه زكاة، ومعناه أن لا تكون شفقته داعية له إلى الإخلال بالواجب لأن الرأفة واللين ربما أورثا ترك الواجب ألا ترى إلى قوله تعالى: {وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ الله} [النور: 2] وقال: {قَاتِلُواْ الذين يَلُونَكُمْ مّنَ الكفار وَلِيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً} [التوبة: 123] وقال: {أَذِلَّةٍ عَلَى المؤمنين أَعِزَّةٍ عَلَى الكافرين يجاهدون فِي سَبِيلِ الله وَلاَ يخافون لَوْمَةَ لائِمٍ} [المائدة: 54] فالمعنى إنما جعلنا له التعطف على عباد الله مع الطهارة عن الإخلال بالواجبات، ويحتمل آتيناه التعطف على الخلق والطهارة عن المعاصي فلم يعص ولم يهم بمعصية، وفي الآية وجه آخر وهو المنقول عن عطاء بن رباح: {وَحَنَانًا مّن لَّدُنَّا} والمعنى آتيناه الحكم صبياً تعظيماً إذ جعلناه نبياً وهو صبي ولا تعظيم أكثر من هذا والدليل عليه ما روى أنه مر ورقة بن نوفل على بلال وهو يعذب قد ألصق ظهره برمضاء البطحاء، ويقول: أحد أحد فقال: والذي نفسي بيده لئن قتلتموه لأتخذنه حناناً أي معظماً.
الصفة الرابعة: قوله: {وزكواة} وفيه وجوه:
أحدها: أن المراد وآتيناه زكاة أي عملاً صالحاً زكياً، عن ابن عباس وقتادة والضحاك وابن جريج.
وثانيها: زكاة لمن قبل منه حتى يكونوا أزكياء عن الحسن.
وثالثها: زكيناه بحسن الثناء كما تزكى الشهود الإنسان.
ورابعها: صدقة تصدق الله بها على أبويه عن الكلبي.
وخامسها: بركة ونماء وهو الذي قال عيسى عليه الصلاة والسلام: {وَجَعَلَنِى مُبَارَكاً أَيْنَمَا كُنتُ} [مريم: 31] واعلم أن هذا يدل على أن فعل العبد خلق لله تعالى لأنه جعل طهارته وزكاته من الله تعالى وحمله على الألطاف بعيد لأنه عدول عن الظاهر. الصفة الخامسة: قوله: {وَكَانَ تَقِيّا} وقد عرفت معناه وبالجملة فإنه يتضمن غاية المدائح لأنه هو الذي يتقي نهي الله فيجتنبه ويتقي أمره فلا يهمله، وأولى الناس بهذا الوصف من لم يعص الله ولا يهم بمعصية وكان يحيى عليه الصلاة والسلام كذلك، فإن قيل ما معنى: {وَكَانَ تَقِيّا} وهذا حين ابتداء تكليفه قلنا: إنما خاطب الله تعالى بذلك الرسول وأخبر عن حاله حيث كان كما أخبر عن نعم الله عليه. الصفة السادسة: قوله: {وَبَرّا بوالديه} وذلك لأنه لا عبادة بعد تعظيم الله تعالى مثل تعظيم الوالدين، ولهذا السبب قال: {وقضى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إياه وبالوالدين إحسانا} [الإسراء: 23]. الصفة السابعة: قوله: {وَلَمْ يَكُن جَبَّاراً} والمراد وصفه بالتواضع ولين الجانب وذلك من صفات المؤمنين كقوله تعالى: {واخفض جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ} [الحجر: 88] وقال تعالى: {وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ القلب لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران: 159] ولأن رأس العبادات معرفة الإنسان نفسه بالذل ومعرفة ربه بالعظمة والكمال ومن عرف نفسه بالذل وعرف ربه بالكمال كيف يليق به الترفع والتجبر، ولذلك فإن إبليس لما تجبر وتمرد صار مبعداً عن رحمة الله تعالى وعن الدين وقيل الجبار هو الذي لا يرى لأحد على نفسه حقاً وهو من العظم والذهاب بنفسه عن أن يلزمه قضاء حق أحد، وقال سفيان في قوله: {جَبَّاراً عَصِيّاً} إنه الذي يقبل على الغضب والدليل عليه قوله تعالى: {أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِى كَمَا قَتَلْتَ نَفْساً بالأمس إِن تُرِيدُ إِلاَّ أَن تَكُونَ جَبَّاراً فِي الأرض} [القصص: 19] وقيل: كل من عاقب على غضب نفسه من غير حق فهو جبار لقوله تعالى: {وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ} [الشعراء: 130]. الصفة الثامنة: قوله: {عَصِيّاً} وهو أبلغ من العاصي كما أن العليم أبلغ من العالم. الصفة التاسعة: قوله: {وسلام عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَياً} وفيه أقوال: أحدها: قال محمد بن جرير الطبري: {وسلام عَلَيْهِ} أي أمان من الله يوم ولد من أن يناله الشيطان كما ينال سائر بني آدم: {وَيَوْمَ يَمُوتُ} أي وأمان عليه من عذاب القبر: {وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَياً} أي ومن عذاب القيامة.
وثانيها: قال سفيان بن عيينة أوحش ما يكون الخلق في ثلاثة مواطن يوم يولد فيرى نفسه خارجاً مما كان فيه، ويوم يموت فيرى قوماً ما شاهدهم قط، ويوم يبعث فيرى نفسه في محشر عظيم فأكرم الله يحيى عليه الصلاة والسلام فخصه بالسلام عليه في هذه المواطن الثلاثة.
وثالثها: قال عبد الله بن نفطوية: {وسلام عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ} أي أول ما يرى الدنيا {وَيَوْمَ يَمُوتُ} أي أول يوم يرى فيه أول أمر الآخرة {وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَياً} أي أول يوم يرى فيه الجنة والنار وهو يوم القيامة.
وإنما قال: {حَياً} تنبيهاً على كونه من الشهداء لقوله تعالى: {بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبّهِمْ يُرْزَقُونَ} [آل عمران: 169] فروع.
الأول: هذا السلام يمكن أن يكون من الله تعالى وأن يكون من الملائكة وعلى التقديرين فدلالة شرفه وفضله لا تختلف لأن الملائكة لا يسلمون إلا عن أمر الله تعالى.
الثاني: ليحيى مزية في هذا السلام على ما لسائر الأنبياء عليهم السلام كقوله: {سلام على نُوحٍ فِي العالمين} [الصافات: 79]. {سلام على إبراهيم} [الصافات: 109] لأنه قال و{يَوْمَ وُلِدَ} وليس ذلك لسائر الأنبياء عليهم السلام.
الثالث: روي أن عيسى عليه السلام قال ليحيى عليه السلام: «أنت أفضل مني» لأن الله تعالى سلم عليك وأنا سلمت على نفسي، وهذا ليس يقوى لأن سلام عيسى على نفسه يجري مجرى سلام الله على يحيى لأن عيسى معصوم لا يفعل إلا ما أمره الله به.
الرابع: السلام عليه يوم ولد لابد وأن يكون تفضلاً من الله تعالى لأنه لم يتقدم منه ما يكون ذلك جزاء له، وأما السلام عليه يوم يموت ويوم يبعث في المحشر، فقد يجوز أن يكون ثواباً كالمدح والتعظيم، والله تعالى أعلم.
القول في فوائد هذه القصة. الفائدة الأولى: تعليم آداب الدعاء وهي من جهات.
أحدها: قوله: {نِدَاء خَفِيّاً} [مريم: 3] وهو يدل على أن أفضل الدعاء ما هذا حاله ويؤكد قوله تعالى: {ادعوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً} [الأعراف: 55] ولأن رفع الصوت مشعر بالقوة والجلادة وإخفاء الصوت مشعر بالضعف والانكسار وعمدة الدعاء الانكسار والتبري عن حول النفس وقوتها والاعتماد على فضل الله تعالى وإحسانه.
وثانيها: أن المحتسب أن يذكر في مقدمة الدعاء عجز النفس وضعفها كما في قوله تعالى عنه: {وَهَنَ العظم مِنّى واشتعل الرأس شَيْباً} [مريم: 4] ثم يذكر كثرة نعم الله على ما في قوله: {وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبّ شَقِيّاً} [مريم: 4].
وثالثها: أن يكون الدعاء لأجل شيء متعلق بالدين لا لمحض الدنيا كما قال: {وَإِنّي خِفْتُ الموالى مِن وَرَائِى} [مريم: 5].
ورابعها: أن يكون الدعاء بلفظ يا رب على ما في هذا الموضع. الفائدة الثانية: ظهور درجات زكريا ويحيى عليهما السلام أما زكريا فأمور:
أحدها: نهاية تضرعه في نفسه وانقطاعه إلى الله تعالى بالكلية.
وثانيها: إجابة الله تعالى دعاءه.
وثالثها: أن الله تعالى ناداه وبشره أو الملائكة أو حصل الأمران معاً.
ورابعها: اعتقال لسانه عن الكلام دون التسبيح.
وخامسها: أنه يجوز للأنبياء عليهم السلام طلب الآيات لقوله رب اجعل لي آية. الفائدة الثالثة: كونه تعالى قادراً على خلق الولد وإن كان الأبوان في نهاية الشيخوخة رداً على أهل الطبائع. الفائدة الرابعة: صحة الاستدلال في الدين لقوله تعالى: {وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً} [مريم: 9]. الفائدة الخامسة: أن المعدوم ليس بشيء والآية نص في ذلك فإن قيل المراد ولم تك شيئاً مذكوراً كما في قوله تعالى: {هَلْ أتى عَلَى الإنسان حِينٌ مّنَ الدهر لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً} [الإنسان: 1] قلنا: الإضمار خلاف الأصل وللخصم أن يقول الآية تدل على أن الإنسان لم يكن شيئاً ونحن نقول به لأن الإنسان عبارة عن جواهر متألفة قامت بها أعراض مخصوصة والجواهر المتألفة الموصوفة بالأعراض المخصوصة غير ثابتة في العدم إنما الثابت هو أعيان تلك الجواهر مفردة غير مركبة وهي ليست بإنسان فظهر أن الآية لا دلالة فيها على المطلوب. الفائدة السادسة: أن الله تعالى ذكر هذه القصة في سورة آل عمران وذكرها في هذا الموضع فلنعتبر حالها في الموضعين فنقول: الأول: أنه تعالى بين في هذه السورة أنه دعا ربه ولم يبين الوقت وبينه في آل عمران بقوله: {كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا المحراب وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا قَالَ يامريم أنى لَكِ هذا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ الله إنَّ الله يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ * هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبّ هَبْ لِى مِن لَّدُنْكَ ذُرّيَّةً طَيّبَةً} [آل عمران: 37، 38] والمعنى أن زكريا عليه السلام لما رأى خرق العادة في حق مريم عليها السلام طمع فيه في حق نفسه فدعا.
الثاني: وهو أن الله تعالى صرح في آل عمران بأن المنادي هو الملائكة لقوله: {فَنَادَتْهُ الملئكة وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلّى فِي المحراب} [آل عمران: 39] وفي هذه السورة الأظهر أن المنادي بقوله: {يازكريا إِنَّا نُبَشّرُكَ} [مريم: 7] هو الله تعالى وقد بينا أنه لا منافاة بين الأمرين.
الثالث: أنه قال في آل عمران: {أنى يَكُونُ لِي غلام وَقَدْ بَلَغَنِي الكبر وامرأتى عَاقِرٌ} [آل عمران: 40] فذكر أولاً كبر نفسه ثم عقر المرأة وهو في هذه السورة قال: {أنى يَكُونُ لِى غلام وَكَانَتِ امرأتى عَاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الكبر عِتِيّاً} [مريم: 8] وجوابه أن الواو لا تقتضي الترتيب.
الرابع: قال في آل عمران: {وَقَدْ بَلَغَنِي الكبر} وقال هاهنا وقد بلغت من الكبر وجوابه أن ما بلغك فقد بلغته.
الخامس: قال في آل عمران: {آيتك أَلاَّ تُكَلّمَ الناس ثلاثة أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزًا} [آل عمران: 41] وقال هاهنا: {ثلاث لَيَالٍ سَوِيّاً} [مريم: 10] وجوابه: دلت الآيتان على أن المراد ثلاثة أيام بلياليهن، والله أعلم. القصة الثانية: قصة مريم وكيفية ولادة عيسى عليه السلام اعلم أنه تعالى إنما قدم قصة يحيى على قصة عيسى عليهما السلام لأن خلق الولد من شيخين فانيين أقرب إلى مناهج العادات من تخليق الولد لا من الأب ألبتة وأحسن الطرق في التعليم والتفهيم الأخذ من الأقرب فالأقرب مترقياً إلى الأصعب فالأصعب.


{وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا (16) فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (17)}
وفيه مسائل:
المسألة الأولى: إذ بدل من مريم بدل اشتمال لأن الأحيان مشتملة على ما فيها وفيه أن المقصود بذكر مريم ذكر وقت هذا الوقوع لهذه القصة العجيبة فيه.
المسألة الثانية: النبذ أصله الطرح والإلقاء والانتباذ افتعال منه ومنه: {فَنَبَذُوهُ وَرَاء ظُهُورِهِمْ} [آل عمران: 187] وانتبذت تنحت يقال جلس نبذة من الناس ونبذة بضم النون وفتحها أي ناحية وهذا إذا جلس قريباً منك حتى لو نبذت إليه شيئاً وصل إليه ونبذت الشيء رميته ومنه النبيذ لأنه يطرح في الإناء وأصله منبوذ فصرف إلى فعيل ومنه قيل للقيط منبوذ لأنه يرمى به ومنه النهي عن المنابذة في البيع وهو أن يقول: إذا نبذت إليك هذا الثوب أو الحصاة فقد وجب البيع إذ عرفت هذا فنقول قوله تعالى: {إِذِ انتبذت مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِياً} معناه تباعدت وانفردت على سرعة إلى مكان يلي ناحية الشرق ثم بين تعالى أنها مع ذلك اتخذت من دون أهلها حجاباً مستوراً وظاهر ذلك أنها لم تقتصر على أن انفردت إلى موضع بل جعلت بينها وبينهم حائلاً من حائط أو غيره ويحتمل أنها جعلت بين نفسها وبينهم ستراً وهذا الوجه الثاني أظهر من الأول ثم لابد من احتجابها من أن يكون لغرض صحيح وليس مذكوراً واختلف المفسرون فيه على وجوه:
الأول: أنها لما رأت الحيض تباعدت عن مكانها المعتاد للعبادة لكي تنتظر الطهر فتغتسل وتعود فلما طهرت جاءها جبريل عليه السلام.
والثاني: أنها طلبت الخلوة لئلا تشتغل عن العبادة.
والثالث: قعدت في مشرقة للاغتسال من الحيض محتجبة بشيء يسترها.
والرابع: أنها كان لها في منزل زوج أختها زكرياء محراب على حدة تسكنه وكان زكريا إذا خرج أغلق عليها فتمنت (على) الله (أن) تجد خلوة في الجبل لتفلي رأسها فانفرج السقف لها فخرجت إلى المفازة فجلست في المشرفة وراء الجبل فأتاها الملك.
وخامسها: عطشت فخرجت إلى المفازة لتستقي واعلم أن كل هذه الوجوه محتمل وليس في اللفظ ما يدل على ترجيح واحد منها.
المسألة الثالثة: المكان الشرقي هو الذي يلي شرقي بيت المقدس أو شرقي دارها وعن ابن عباس رضي الله عنهما: إني لأعلم خلق الله لأي شيء اتخذت النصارى المشرق قبلة لقوله تعالى: {مَكَاناً شَرْقِياً} فاتخذوا ميلاد عيسى قبلة.
المسألة الرابعة: أنها لما جلست في ذلك المكان أرسل الله إليها الروح واختلف المفسرون في هذا الروح فقال الأكثرون: إنه جبريل عليه السلام وقال أبو مسلم إنه الروح الذي تصور في بطنها بشراً والأول أقرب لأن جبريل عليه السلام يسمى روحاً قال الله تعالى: {نَزَلَ بِهِ الروح الأمين على قَلْبِكَ} [الشعراء: 193 194] وسمي روحاً لأنه روحاني وقيل خلق من الروح وقيل لأن الدين يحيا به أو سماه الله تعالى بروحه على المجاز محبة له وتقريباً كما تقول لحبيبك روحي وقرأ أبو حيوة روحنا بالفتح لأنه سبب لما فيه روح العباد وإصابة الروح عند الله الذي هو عدة المتقين في قوله: {فَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ المقربين * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةٍ نَعِيمٍ} [الواقعة: 88، 89] أو لأنه من المقربين وهم الموعودون بالروح أي مقربنا وذا روحنا وإذا ثبت أنه يسمى روحاً فهو هنا يجب أن يكون المراد به هو لأنه قال: {إِنَّمَا أَنَاْ رَسُولُ رَبّكِ لأَهَبَ لَكِ غلاما زَكِيّاً} [مريم: 19] ولا يليق ذلك إلا بجبريل عليه السلام واختلفوا في أنه كيف ظهر لها. فالأول: أنه ظهر لها على صورة شاب أمرد حسن الوجه سوي الخلق.
والثاني: أنه ظهر لها على صورة ترب لها اسمه يوسف من خدم بيت المقدس وكل ذلك محتمل ولا دلالة في اللفظ على التعيين ثم قال: وإنما تمثل لها في صورة الإنسان لتستأنس بكلامه ولا تنفر عنه فلو ظهر لها في صورة الملائكة لنفرت عنه ولم تقدر على استماع كلامه ثم هاهنا إشكالات. أحدهما: وهو أنه لو جاز أن يظهر الملك في صورة إنسان معين فحينئذ لا يمكننا القطع بأن هذا الشخص الذي أراه في الحال هو زيد الذي رأيته بالأمس لاحتمال أن الملك أو الجني تمثل في صورته وفتح هذا الباب يؤدي إلى السفسطة، لا يقال هذا إنما يجوز في زمان جواز البعثة فأما في زماننا هذا فلا يجوز لأنا نقول هذا الفرق إنما يعلم بالدليل، فالجاهل بذلك الدليل يجب أن لا يقطع بأن هذا الشخص الذي أراه الآن هو الشخص الذي رأيته بالأمس.
وثانيها: أنه جاء في الأخبار أن جبريل عليه السلام شخص عظيم جداً فذلك الشخص العظيم كيف صار بدنه في مقدار جثة الإنسان أبأن تساقطت أجزاؤه وتفرقت بنيته فحينئذ لا يبقى جبريل أو بأن تداخلت أجزاؤه وذلك يوجب تداخل الأجزاء وهو محال.
وثالثها: وهو أنا لو جوزنا أن يتمثل جبريل عليه السلام في صورة الآدمي فلم لا يجوز تمثله في صورة جسم أصغر من الآدمي حتى الذباب والبق والبعوض ومعلوم أن كل مذهب جر إلى ذلك فهو باطل.
ورابعها: أن تجويزه يفضي إلى القدح في خبر التواتر فلعل الشخص الذي حارب يوم بدر لم يكن محمداً بل كان شخصاً آخر تشبه به وكذا القول في الكل.
والجواب عن الأول أن ذلك التجويز لازم على الكل لأن من اعترف بافتقار العالم إلى الصانع المختار فقد قطع بكونه تعالى قادراً على أن يخلق شخصاً آخر مثل زيد في خلقته وتخطيطه وإذا جوزنا ذلك فقد لزم الشك في أن زيداً المشاهد الآن هو الذي شاهدناه بالأمس أم لا، ومن أنكر الصانع المختار وأسند الحوادث إلى اتصالات الكواكب وتشكلات الفلك لزمه تجويز أن يحدث اتصال غريب في الأفلاك يقتضي حدوث شخص مثل زيد في كل الأمور وحينئذ يعود التجويز المذكور.
وعن الثاني: أنه لا يمتنع أن يكون جبريل عليه السلام له أجزاء أصلية وأجزاء فاضلة والأجزاء الأصلية قليلة جداً فحينئذ يكون متمكناً من التشبه بصورة الإنسان، هذا إذا جعلناه جسمانياً أما إذا جعلناه روحانياً فأي استبعاد في أن يتدرع تارة بالهيكل العظيم وأخرى بالهيكل الصغير.
وعن الثالث: أن أصل التجويز قائم في العقل وإنما عرف فساده بدلائل السمع وهو الجواب عن السؤال الرابع، والله أعلم.


{قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (18)}
وفيه وجوه:
أحدها: أرادت أن كان يرجى منك أن تتقي الله ويحصل ذلك بالاستعاذة به فإني عائذة به منك وهذا في نهاية الحسن لأنها علمت أنه لا تؤثر الاستعاذة إلا في التقي وهو كقوله: {وَذَرُواْ مَا بَقِىَ مِنَ الربا إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ} [البقرة: 278] أي أن شرط الإيمان يوجب هذا لا أن الله تعالى يخشى في حال دون حال.
وثانيها: أن معناه ما كنت تقياً حيث استحللت النظر إلي وخلوت بي.
وثالثها؛ أنه كان في ذلك الزمان إنسان فاجر اسمه تقى يتبع النساء فظنت مريم عليها السلام أن ذلك الشخص المشاهد هو ذلك التقى والأول هو الوجه.

1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | 8